السيد محمد حسين فضل الله
11
من وحي القرآن
الطريق الواحد الذي يصل بالإنسان إلى اللّه في كل مراحله المتنوعة . وقد عرّفوا الناس هذه الحقيقة الواحدة التي وحدت بينهم عندما التقى الخط عندهم على الدعوة إلى عبادة اللّه وحده التي تختصر كل تفاصيل الرسالات . فكان من المفروض لأتباعهم أن يستجيبوا لهم في حركة الوحدة الإنسانية على خط الرسالات التي جاء بها الرسل ، وأن تكون وحدة الأتباع من خلال وحدة المتبوعين ، ولكن المشكلة أن اللّه لم يخلق الناس على طريقة واحدة ومزاج واحد وذهنية واحدة ، لأن طبيعة اختلافهم في مواقعهم ومؤثراتهم وأوضاعهم ، تؤدي إلى اختلاف الأفكار ، وتنوّع المصالح ، وانحراف السلوك ، وطغيان المنافع والمطامع ، فلا تكون الرسالة هي العنوان الكبير لالتزاماتهم ، بل تكون الذات هي الخلفية اللاشعورية أو الشعورية لتصرفاتهم ، فيجعلون الدين وسيلة من وسائل تحقيق مآربهم ، فتشتد الحساسيات وتصطدم المصالح وتضرى الأنانيات التي تطلّ بهم على ساحة القتال الذي يتحرك بضراوة ، لأن ما يختلفون فيه ، وهو الدين ، يمثل معنى القداسة العميق في عمق الذات ، مما يجعل حرارة التحرك باسمه أكثر تأثيرا من أيّ موقع أو فكر آخر ، ولم يعطّل اللّه فيهم هذه الحالة الإنسانية المتحركة في اندفاع الغرائز الذاتية التي لا يخضع فيها الإنسان لعامل واحد ، ولوجه واحد ، بل يخضع لتأثيرات أكثر من عامل في أكثر من وجه ، مما يدخل في تنوّع موارد الحياة ومصادرها في حركة الإنسان في داخلها وخارجها ، ويحقق لها الإيجابيات الكبيرة إلى جانب السيئات ، فإذا كان هذا الاختلاف سلبيا في جانب ، فإن له أكثر من إيجابية في الجوانب الأخرى التي يتنوع فيها الإنسان تبعا لتنوع حاجاته ومطامعه وتطلعاته وأفكاره . وهكذا أراد اللّه للرسالات أن تنطلق من موقع الرسل الذين يبلغونها من